عمر الجفال – المونيتر

أنهى “بيت الشِّعر” العراقيّ، وهو منظّمة ثقافيّة أهليّة عراقيّة، مشروعه في “حرم الجامعات” في 2 أيّار/مايو، والذي سعى من خلاله إلى تعريف طلاّب الجامعات العراقيّين بمنجز الشِّعر العراقيّ الحديث وحمولاته الإنسانيّة، ودلّهم عليه، والإشارة إلى وجود نوع من الشِّعر الإنسانيّ والصميميّ تماماً، وذلك في مقابل الشِّعر المكتوب باللهجة العاميّة المليء بالحمولات الرجعيّة والطائفيّة. ومن أبرز الشعراء المشمولين في المشروع هم: سركون بولص، ياسين طه حافظ، سهام جبار، جان دمو وابراهيم البهرزي.

ومنذ نيسان/إبريل من عام 2016، وضع “بيت الشّعر” العراقيّ خطّة للقيام بفعاليّات عدّة تسعى إلى “مقاومة الرثاثة”، بحسب تعبير رئيس البيت الشاعر حسام السراي، من خلال النزول إلى الشارع وتعريف سكّان بغداد بالشّعر والشعراء العراقيّين، الذين يكتبون الشّعر الحديث.

وتتلخّص هذه الفعاليّات بتصميم ملصقات أنيقة يتبرّع بها أحد المصمّمين الشبّان، وتعليقها في الشوارع والمدارس والمقاهي والأماكن العامّة. ويشكّل بعض هذه الملصقات سعياً حثيثاً إلى مقاومة بعض الأعراف البالية التي تنافس في المجال العام العراقيّ، لا سيّما الجدران، حيث نقلت العشائر عراكاتها إليها عبر كتابة التهديدات لبعضها البعض على الجدران والكتل الكونكريتيّة المنتشرة في العاصمة.

وعلى هذا الأساس، أطلق “بيت الشّعر” العراقيّ فعاليّة “الجدران ليست لثارات العشائر”، والتي قال عنها حسام السراي في حديث لـ”المونيتور”: “إنّها وظّفت الفنّ الغرافيتيّ ليكون أداة للاحتجاج ولتنبيه الناس”. ولفت إلى أنّ رسالة الفعاليّة هي “أنّ الانحدار الذي تقبع فيه فئات من المجتمع باسم الثارات وعبارات التهديد العشائري ما هو إلاّ الانهيار الإجتماعيّ”.

وبقدر ما يبدو فيه عمل “بيت الشّعر” العراقيّ ثقافيّاً، بقدر ما هو إجتماعيّ وأخلاقيّ أيضاً، إذ يحاول تغيير تلقّي الثقافة من قبل المجتمع العراقيّ، وخصوصاً في العاصمة بغداد، التي يتركّز فيها نشاط عمل “بيت الشّعر”، وهو أيضاً بات يذهب إلى مناطق شهدت انفجارات ليقيم فعاليّته فيها، مثل فعاليّة “تلويحة وفاء للكرّادة”، التي انطلقت من دائرة الطبّ العدليّ حيث توضع جثث الموتى، وتوزّعت في عدد من الشوارع.

وقال حسام السراي: “كنّا عندها نسجّل موقفاً أخلاقيّاً باسم الثقافة والمتن الشعريّ بحقّ الضحايا وأهلهم الذين كانوا الهدف التضامنيّ من فعلنا، ليكون الشّعر ممثّلاً بمقاطع شعريّة تقترب من هول الكارثة التي حدثت في تفجير 3 تمّوز/يوليو من عام 2016 بحيّ الكرادة، تكريماً لأرواح الضحايا”.

وتأسّست مؤسّسة “بيت الشّعر” على يدّ عدد من الشعراء العراقيّين في عام 2009، وهي تجري إنتخابات دوريّة لاختيار هيئتها الإداريّة، وكانت في الماضي تعمل على فعاليّات نخبويّة يحضرها الوسط الثقافيّ العراقيّ، إلاّ أنّها في العامين الأخيرين أخذت تقترب من الناس البسطاء لتعرّفهم بالمنجز الشعريّ العراقيّ.

وفي الواقع، هناك 3 أنواع من الكتابة الشعريّة تهيمن في العراق: الاول هو الشعر المكتوب باللهجة العاميّة، وغالباً ما تستغلّ الأحزاب العراقيّة كتابته لتحظى بمديحهم عبر مدّها بالأموال، كما اعترف أحّد الشعراء. والثاني هو الشّعر الكلاسيكيّ القديم، وهو الذي يقرأ من على المنصّات والصالات المغلقة، وتبدو لغته قديمة. والثالث هو الشّعر الحديث أيّ “قصيدة النثر”، وهذا النوع الأخير الذي يروّج له “بيت الشِّعر”.

وقال السراي: “هذا الشكل الذي تكتب به هذه النصوص هو أفضل حامل لرسالتنا الموجّهة إلى المجتمع. وهنا، نقول دعونا نزاحم شعراء المنصّات الذين يكتبون القصيدة الكلاسيكيّة، هم بأصواتهم المرتفعة، ونحن بجماليّات ملصقاتنا ومضامين المقاطع الداعية إلى وقفة تأمّل”.

وحظيت فعاليّات “بيت الشّعر” في العام الأخير بالثناء في الصحافة وعلى مواقع التّواصل الإجتماعيّ، ولكن كيف كانت ردّة فعل سكّان بغداد تجاهها، فقال السراي: “كان القلق طبيعيّاً لدى إطلاق المبادرة في بدايتها، لكنّ التأييد الذي حازت عليه منذ ولادتها حفّزنا على الاستمرار، إلى درجة أنّ أناساً اعتياديّين في مواقع التواصل صاروا ينشرون صور بعض الملصقات احتفاء بجديّة الفكرة”.

“لم يحصل بيت الشّعر العراقيّ لا على إشادة ولا على دعم حكوميّ لمشاريعه”، هذا ما أشار إليه السراي قبل أن يقول: “لأنّ كلفته بسيطة نحافظ معها على استقلاليّتنا وعدم حاجتنا إلى أحد، فيمكن توفير التكاليف حتّى بالتبرّع الشخصيّ”.

غير أنّ هناك مصاعب عدّة تواجه فعاليّات كهذه في العراق، على رأسها “البيروقراطيّة في التعامل من قبل مؤسّسات رسميّة عدّة عبر سماحها وعدم سماحها بتعليق اللاّفتات”، لكنّ المجتمع أيضاً يستغرب، إذ “هناك أفراد فيه يتساءلون عن فعاليّات كهذه، وكيف لا يقف وراءها حزب أو جهة، أو توقّعهم أنّ هناك هدفاً مبطّناً لصالح أحد المتنفّذين في البلد”، هذا ما أشار إليه السراي، الذي قال أيضاً: “هذا الشكّ الإجتماعيّ يشكّل إحدى نتائج التشوّه، التي زرعتها النخبة السياسيّة الحاليّة في العراق”.

ويهدف بيت “الشّعر العراقيّ” أيضاً إلى إزالة التشوّه من الشوارع، وقال السراي: “إنّ أحد المساعي الذي صمّمنا مشروعنا لأجله، هو الإعلان عن شيء من الذوق في شكل الملصق ومضمونه ومجمل فكرته، وسط بيئة من الرثاثة، لا تفقه فيها الجهات الفاعلة في البلد، الحكوميّة والحزبيّة منها على حدّ سواء، كيف تعلّق ملصقاً من دون أن يكون مفتقداً لأبسط قواعد الجذب والتأثير”.

والآن، يحاول “بيت الشّعر” العراقيّ نقل تجربته إلى مدن ومحافظات أخرى غير العاصمة بغداد، بحسب ما أكّد السراي، الّذي قال أيضاً: “هناك خطّة موضوعة لنقل التجربة إلى محافظات أخرى، ستترافق مع بدء مرحلة جديدة من عمل “بيت الشعر العراقيّ”، ويراد من خلالها أن يتأصّل دوره في التواجد بين عموم الناس، من الجنوب إلى الشمال”.

والحال، فإنّ مؤسّسات ذات تمويل بسيط مثل “بيت الشعر” العراقيّ تمثّل أحد الآمال في بثّ الجمال داخل العراق، الذي يعاني من أزمات عدّة على رأسها الأمن، انتشار الفوضى، وانحدار الذوق في تصميم الأبنية، بل وحتّى في الترويج للأدب والشعر.

وأخيراً إن مشروع بيت الشعر يظهر بأن الشعر العراقي بقدر ما كان وسيلة لنشر الطائفية والكراهية، يمكنه أن يكون وسيلة لنشر السلام والتضامن الاجتماعي وتعزيز المواطنة الشاملة.


Like