عمر الجفال – المونتور

بغداد – تحاول الأفلام السينمائيّة للمخرجين العراقيّين الشبّان كسر التابوهات في المجتمع العراقيّ، إذ تذهب إلى مواضيع حسّاسة، وذات طابع يحرّم الحديث عنه في العراق في ظلّ سطوة الأعراف القبليّة، وانفلات السلاح في يدّ المجموعات الدينيّة، بيد أنّ هذا الواقع لم يثن المخرجة الشابّة التي تخرّجت من أكاديميّة الفنون الجميلة في بغداد هذا العام زمن علي عن إخراج فيلم قصير يتحدّث عن العلاقات الجنسيّة المثليّة بين النساء، فيما أتمّ وارث كويش إخراج فيلم يتحدّث عن الحياة الليليّة للشبّان في العراق.

وواقع الحال أنّ التابوهات باتت تتكاثر في العراق، وبات الحديث عنها قد يسبّب أذى نفسيّاً وجسديّاً للفنّانين، غير أنّ السينما، ولا سيّما التي يصنعها الشبّان، يبدو أنّها أخذت على عاتقها تحطيم هذه التابوهات، مواجهة بذلك تحدّيات عدّة، على رأسها تحدّيات ماليّة تتمثّل في ضعف إنتاج أعمالهم.
وقد حصدت علي الجائزة الفضّيّة في المهرجان الدوليّ للسينما والتلفزيون لأفلام طلبة كلّيّة الفنون الجميلة عن فيلمها “الجوزاء” في أيّار/مايو الماضي، فيما من المفترض أن يعرض الفيلم في مهرجان دبي السينمائيّ في كانون الأوّل/ديسمبر، وهو يتحدّث عن فتاة ترتبط مع صديقتها بعلاقة جنسيّة، فيما تقوم والداتها الغائبة عن المنزل بتعنيفها.
و”الجوزاء” هو الفيلم الروائيّ القصير الأوّل لعلي، وقد قامت بدور البطولة فيه أيضاً، وقالت في حديث إلى “المونيتور” إنّ “فكرة المثليّة الجنسيّة لم تأت بالصدفة بسبب كثرة هذه الحالة في المجتمع النسويّ العراقيّ”، لافتة إلى أنّ “المثليّة الجنسيّة موجودة لكن يوجد عليها تحفّظ من قبل المجتمع”.
هذا التحفّظ دفع مخرجة “الجوزاء” إلى عقد “جلسات كثيرة لمعالجة الفكرة وتطويرها لكي تخرج بصورة لا تخدش الحياء”، وفق قولها.
وعلى العكس ممّا توقّعت، فإنّ الفيلم لم يواجه بانتقادات كبيرة بسبب موضوعه، وقد حظيت فكرته بدعم أساتذتها في أكاديميّة الفنون الجميلة في بغداد، غير أنّ علي قالت إنّها واجهت تحدّياً مع نفسها، وأضافت: “لم أفكّر كيف سيتقبّله الجمهور، كنت أفكّر في تقديم فيلم يطرح مشكلة في مجتمعنا لم يتطرّق إليها أحد”.
بيد أنّ علي، المعروفة أيضاً بنشاطها في الاحتجاجات الاجتماعيّة، شعرت بـ”بلحظات بسيطة من الخوف”، وأردفت: “لكن عند عرض الفيلم، لقي استحسان كلّ من شاهده وأعجبوا بكيفيّة طرح الفكرة ومعالجتها”.
بدوره، بدا المخرج الشابّ كويش، الذي عرضت أفلامه القصيرة في مهرجان كان ومهرجان “مزنة” في الولايات المتّحدة الأميركيّة، متحيّزاً لفكرة كسر التابوهات، وقال في حديث إلى “المونيتور”: “مهمّتي كصانع أفلام الخوض في هذه التابوهات والحديث عنها كأيّ موضوع آخر”.
ومنذ أفلامه الأولى، وثّق كويش التظاهرات في العراق في فيلم قصير في هاتف الـ”آي فون”، وواجه بعض الصعوبات في عرضه في العراق، حسب قوله. ومنذ أربعة أعوام، يحاول كويش الانتهاء من فيلم “بغداد ديسكو” الطويل، والذي يدور حول مجموعة شباب يحاولون صنع ديسكو في هذه المدينة التي يصفها كويش بأنّها “مدينة الموت كما هو معروف عنها”.
وغالباً ما يلجأ كويش إلى عرض أفلامه في المهرجات الدوليّة، وقال: “بصراحة، كنت متخوّفاً جدّاً من عرض أفلامي في العراق”. وروى: “تجرّأت مرّة وفعلتها، وكذبت حينها على مسؤولي قاعة العرض، فقلت لهم إنّني سأعرض فيلماً لا يحمل أيّ مشاكل، ولكنّني عرضت فيلماً عن التظاهرات في العراق”.
الحال أنّه ليس للعراق تاريخ طويل في صناعة السينما، إذ منذ تأسيس الدولة العراقيّة الحديثة في عام 1921 وحتّى سقوط نظام صدّام حسين في عام 2003، لم يتعدّ الإنتاج السينمائيّ العراقيّ حوالى الـ100 فيلم، وكان الكثير منها خاضعاً إلى مزاج السلطة التي تحكم البلاد.
لكن بعد غزو العراق في عام 2003، بدأ الكثير من الشبّان يهتمّون بالسينما، الأمر الذي أنتج جيلاً جديداً من المخرجين وصنّاع السينما، إلّا أنّ هؤلاء يواجهون مشكلة أساسيّة في تمويل أعمالهم، إذ لا وجود لصناديق محلّيّة لدعمهم، والحكومة العراقيّة لا تولي اهتماماً لهذا الفنّ.
وفي هذا الشأن، قال كويش: “العراق بلد فتيّ جدّاً في صناعة السينما. لا يوجد دعم سينمائيّ واضح في العراق عدا بعض المحاولات التي يقوم بها المركز العراقيّ للفيلم المستقلّ ومدينة الفنّ للإنتاج”. أمّا علي فترى أنّ “كلّ من يعمل في السينما في العراق تكون مشكلته الأساسيّة والكبيرة الإنتاج”، لافتة إلى أنّه “لا وجود لمؤسّسات حكوميّة ترعى السينما”، مضيفة أنّ “الشركات الخاصّة تقدّم القليل من الدعم المعنويّ فقط”.
وليس الدعم وحده مشكلة السينمائيّين في العراق، وإنّما أيضاً أماكن العرض، حسب ما قال كويش، بينما تشرح علي أكثر بالقول: “كلّ دور العرض أصبحت مخازن وبعضها أصبح لاستخدام المسرح التجاريّ”.
هذا الواقع الذي تحدّث عنه السينمائيّان بأسى لم يثنهما عن الاستمرار في العمل السينمائيّ، فكويش الذي يدرس السينما الآن في فرنسا، انتهى أيضاً من صناعة فيلم قصّته شائكة، ويقول: “سنتعرّف من خلاله على كيفيّة التعامل مع فتاة وهي تشاهد دماء أوّل دورة شهريّة في حياتها، وما الذي تفعله، وشيخ الجامع يحاول التحرّش بها لأنّه لا يرى بالطفلة سوة مفاتنها”، بينما لا تفصح علي عن مشروعها المقبل، وتقول: “آمل أن أكسر تابو جديد”.
في الواقع، لم تتعرّض هذه الأفلام التي تكسر التابوهات إلى احتكاك مباشر مع المشاهد، إذ لم تعرض إلّا في صالات تحضر إليها نخب ثقافيّة، فلذا لا يمكن معرفة وجهة نظر المجتمع تجاهها، وهو الأمر الذي يبدو الآن مستحيلاً، طالما أنّ صالات العرض قليلة وتجاريّة، وتنحصر في المجمّعات التجاريّة.

 


Like