al-monitor

بقلم عدنان أبو زيد

صوّت مجلس النوّاب العراقيّ في 5 آذار/مارس من عام 2018 على مشروع  قانون “شركة النفط الوطنيّة”، الذي ينظّم عمليّات إنتاج النفط وتصديره وتوزيع عوائده بشكل عادل في مختلف مناطق العراق. وينصّ مشروع القانون في فقراته على توزيع نسبة من واردات النفط على العراقيّين المقيمين في العراق، من ضمنهم الأكراد في إقليم كردستان، في حال قامت سلطات الإقليم بتسليم كميّات النفط المنتجة في حقوله إلى شركة تسويق النفط الحكوميّة “سومو”.

تاريخيّاً، كان قانون تأسيس شركة النفط الوطنيّة العراقيّة قد صدر للمرّة الأولى في عام 1964 بهدف تطوير الصناعة النفطيّة في كلّ مراحلها من التحرّي والتنقيب عن النفط والموادّ الهيدروكربونيّة الطبيعيّة إلى صناعة المنتجات. وفي عام 1972، تمّ تأميم النفط، واستبعدت الشركات الأجنبيّة المستثمرّة، ثمّ قرّر العراق في نيسان من عام 1987 دمج الشركة بوزارة النفط، فيما ظلّت شركة تسويق النفط الحكوميّة “سومو” منذ تأسيسها في عام 1998 وإلى الوقت الحاضر، تقوم بأعمال نقل النفط وبيعه.

لم يكن وصف وزير النفط جبار لعيبي في 5 آذار/مارس من عام 2018، عمليّة التصويت على مشروع قانون الشركة، بـ”القرار التاريخيّ”، اعتباطيّاً، لأنّ هذا القرار من وجهة نظر الخبير النفطيّ والمدير العام في وزارة النفط حمزة الجواهري، الذي شارك في صياغة مشروع قرار الشركة، “سوف يمكّن العراق من تطوير الحقول وتأسيس مصافي التكرير ومعامل الإنتاج بجهود ذاتيّة تبذلها شركة وطنيّة مملوكة من قبل الدولة، الأمر الذي يضمن السيادة الكاملة على الثروة، ويجعل العراق غير معتمد على خدمات الشركات الأجنبيّة”.

في الجانبين التنظيميّ والإداريّ، تحدّث حمزة الجواهري عن أنّ “القرار سوف يقلّل من الأعباء المفروضة على وزارة النفط، لا سيّما في ما يتعلّق بمشاريع الصناعة الاستخراجيّة التي شغلت الوزارة وشتّت جهدها. ولذا، كان من الضروريّ ترشيق عملها بإعادة الاعتبار إلى شركة النفط الوطنيّة، التي جمّدها نظام الرئيس الراحل صدّام حسين”.

ولفت إلى فائدة أخرى كبيرة من وراء المشروع، إذ قال: “إنّ الوزارة وشركة التسويق سومو ستكونان في منأى عن شركة النفط، التي سوف تمارس عملها بشكل مستقلّ. وبالتّالي، فإنّه في الحالات التي تتعرّض لها الشركة إلى مشاكل في أوقات الأزمات والخلافات مثل تجميد أموالها المنقولة وغير المنقولة بسبب أحكام قضائيّة دوليّة، فإنّ الوزارة وشركة سومو سوف لن تتأثرا بذلك، لا سيّما أنّ التسويق الذي تقوم به سومو، هو عصب اقتصاد العراق، ويجب أن يبقى بعيداً عن مهام الشركة الوطنيّة”.

وعن الفوائد المنتظرة من إقرار مشروع الشركة، تحدّث عضو لجنة النفط والطاقة النيابيّة زاهر العبادي لـ”المونيتور” عن أنّ “مشروع شركة النفط سوف يجعل من الصناعة النفطيّة من نواحي الاستخراج والتصدير وصناعة المنتوجات بأيد عراقيّة، إذا ما تمّت إدارة الشركة بشل مهنيّ وعصريّ”، معتبراً أنّ “الكوادر العراقيّة قادرة على ذلك، بعد أن تمّ تهميشها منذ عام 2003، بعد أن حازت الشركات الأجنبيّة على كلّ الفرص المتاحة”،

وإذ أكّد زاهر العبادي أنّ “المشروع يحقّق إنجازاً لصالح تحسين دخل المواطن، الذي سينال حصّة من واردات النفط، بنسبة عشرة في المائة”، مشيراً الى أنّ “سهم المواطن سوف يودع في حساب مصرفيّ”، غير أنّ ذلك من وجهة نظر الجواهري، “لن يكون مفيداً للشعب العراقيّ”، معتبراً أنّ “قرار ضمان حصّة للمواطن هو دعاية سياسيّة وانتخابيّة وتفريط بالمال من قبل مجلس النوّاب الذي يجعل من الشركة مسؤولة عن إدارة المال العام، فيما أن ذلك من مهام الوزارات السياديّة”.

وبرّر الجواهري وجهة نظره بالتساؤل: “ماذا يفيد المواطن منحه سهماً قيمته في أحسن الأحوال لا تصل إلى 50 دولاراً سنويّاً، في الوقت الذي يحرم فيه الشركة من استثمار هذا المال في تطوير تقنيّاتها وأعمالها؟”.

وانتقد الجواهري أيضاً مشروع قرار الشركة في ما يخصّ الشراكة مع الأكراد في إقليم كردستان، وقال: “من الغريب أنّ المشروع أهمل تماماً موضوع النفط في الإقليم، ولم يتناول الطريقة التي سوف تتعامل فيها الشركة مع العقود النفطيّة السابقة والحاليّة التي أبرمها الإقليم، الأمر الذي يُفسّر كأنّ الإقليم ليس جزءاً من العراق، وهو أمر مناقض للدستور”.

وأشار إلى أنّ “عقود الإقليم النفطيّة وعمليّات التنقيب والاستخراج يجب أن تكون واضحة في القانون”، ولعلّ ذلك يفسّر، بحسب الجواهري، “السبب وراء تصويت الجانب الكرديّ لصالح تأسيس الشركة”.

واعتبر الجواهري أنّ “أيّ تعديل محتمل على القانون يجعل الإقليم خارج نطاق عمل الشركة، سوف ينسف الغرض من وراء المشروع في السيطرة على كلّ نفط العراق”.

بدوره، أكّد المتحدّث باسم وزارة النفط عاصم جهاد في حديث لـ”المونيتور” أنّ “الشركة الوطنيّة تتمتع باستقلاليّة في مجلس إدارة مستقلّة، الأمر الذي يبعدها عن الخلافات السياسيّة والروتين الإداريّ، فيما تكون مهمّة الوزارة المتابعة والتخطيط”.

هذا المشروع وفق عاصم جهاد “يتيح الاستفادة من الخبرات العراقيّة ويوظّف العاطلة منها”، متوقّعاً أن “يرتفع مستوى أدائها وأهميّتها في سوق النفط إلى مصاف الشركات العالميّة الكبرى، وأن تستقطب التقنيّات وطرف التنقيب والتصنيع المتطوّرة”.

لا بدّ لمشروع الشركة أن يكون بعيداً عن الخلافات السياسيّة والقوميّة والمذهبيّة، وأن تتمتّع الشركة باستقلاليّة تامّة تؤهّلها لاعتلاء مركز متقدّم بين الشركات العالميّة الكبرى. وبغضّ النظر عن الأهميّة الاقتصاديّة للشركة، فثمّة جانب معنويّ في المشروع، فالعراق الذي يحتلّ المرتبة الخامسة في احتياطات النفط العالميّة، في أشدّ الحاجة إلى شركة وطنيّة بقدرات فنيّة وإداريّة عالية يمكنها مواكبة التطوّرات والتقنيّات، بعيداً عن الروتين الحكوميّ، حالها في ذلك، حال شركة “أرامكو” في السعوديّة، على سبيل المثال لا الحصر.


Like