(الصورة: صفحة فرقة العباس القتالية على الفيسبوك )

بقلم مصطفى حبيب – نقاش
عاد مقاتلو الفصائل الشيعية إلى ثكناتهم، وينشغل بعضهم في الانتخابات المقبلة، ولكن أحد هذه الفصائل اتخذ سلوكا مختلفا بعد انتهاء المعارك ، انها “فرقة العباس القتالية” التي اختارت تقديم خدمات مدنية والابتعاد عن السياسة.

عند أقصى نقطة جنوب البلاد يحمل مقاتلو “فرقة العباس القتالية” التي شاركت في الحرب على داعش لسنوات أدوات الكشف عن القنابل غير المنفلقة ويقودون كاسحات الألغام لتنظيف طريق الشلامجة الدولي عند شط العرب في البصرة من ألغام وقنابل غير منفلقة تعود الى حقبة الحرب العراقية – الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي، وهي حملة جديدة بدأتها هذه الفرقة بعدما وضعت الحرب ضد “داعش” أوزارها نهاية العام الماضي.

يبلغ عدد مقاتلي هذه الفرقة نحو سبعة آلاف مقاتل، وهو الفصيل الوحيد الذي شكله المرجع الشيعي الاعلى علي السيستاني في صيف العام 2014 لمجابهة الهجوم الكاسح الذي شنه تنظيم “داعش” على البلاد، وتضم الفرقة كتائب للمشاة والهندسة العسكرية وكتائب مدرعة بأسلحة ثقيلة واختير مقاتلون من هذه الكتائب للقيام بمهمة إزالة الألغام في البصرة التي طالما عانت منها المدينة منذ عقود.

وفي المدينة نفسها اعلنت الفرقة عن حملة اجتماعية أخرى عبر تنظيم دورات دراسية لطلبة الدراسة الابتداية والمتوسطة وهي عبارة عن دروس تقوية مجانا للطلبة الفقراء في المدينة بدلا من ذهاب الطلبة إلى التدريس الخاص مقابل أموال.

عمار الزهيري (31 عاماً) احد افراد “فرقة العباس القتالية” تطوع الى الفرقة منذ ثلاثة أعوام، يقول لـ”نقاش”: حول عمل الفرقة “شاركنا بقوة الى جانب الجيش في المعارك ضد الإرهابيين وحققنا الانتصار وقدمنا المئات من الشهداء والجرحى، وبعد انتهاء المعارك قررنا مواصلة العمل ولكن عبر الخدمات المدنية والاجتماعية”.

عندما دعا المرجع الشيعي علي السيستاني الى التطوع لمقاتلة داعش، لبى آلاف من مختلف شرائح المجتمع النداء، ويقول الزهيري ان “من بين المتطوعين عسكريين سابقين عرضوا خبرتهم العسكرية، ومعلمين واطباء واصحاب حرف مختلفة شاركوا في المعارك، واليوم يتم تنظيم حملات للاستفادة من خبرات مقاتلينا في مجالات مدنية”.

وينتظر الزهيري ومعه آلاف من مقاتلي الفصائل الشيعية حسم مصيرهم، اذ تخطط الحكومة العراقية الى إعادة هيكلة هيئة “الحشد الشعبي” من جديد لتكون أكثر انتظاما، وهي مهمة لن تكون سهلة وقد تستغرق أشهرا، وبينما ينشغل مقاتلون في الفصائل الشيعية في الانتخابات، او القتال على جبهات جديدة حتى خارج البلاد في سورية، قررت “فرقة العباس القتالية” القيام بمهام خدمية بدل الانتظار.

في بغداد وتكريت تشارك الفرقة في إعادة بناء وتأهيل عدد من المدارس، وساهمت في حملة اعمار جامعة تكريت التي تضررت خلال سيطرة مقاتلي “داعش” عليها على مدى عامين قبل أن تتم استعادة المدينة من قوات الامن العراقية في نيسان (ابريل) العام 2015 وشارك مقاتلو “فرقة العباس القتالية” في المعارك آنذاك.

وعلى خلاف باقي الفصائل الشيعية، فان العديد من المنظمات الدولية تتعامل بايجابية مع “فرقة العباس القتالية”، ففي محافظة المثنى تقيم الفرقة بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الاحمر دورات شاملة لسكان المدينة حول الاسعافات الاولية والرعاية الطبية اضافة الى دروس في مبادئ القانون الدولي وحقوق الانسان خلال النزاعات المسلحة.

لكن “فرقة العباس القتالية” لم تكن على علاقة جيدة دائما مع هيئة “الحشد الشعبي” التي يدير شؤونها ابو مهدي المهندس المقرب من إيران، إذ رفضت الهيئة تسليم رواتب لمقاتلي هذه الفرقة وحاولت شق صفها عبر انتزاع كتائب منها بالقوة، وهو ما اجبر المرجع الشيعي علي السيستاني الى تمويل رواتب الفرقة بنفسه.

وتنقسم الفصائل الشيعية العراقية إلى ثلاثة أقسام، تلك القريبة من ايران وتدين بالولاء الديني الى المرشد الإيراني علي خامنئي، وتلك التابعة الى أحزاب شيعية مثل “سرايا السلام” التابعة الى رجل الدين مقتدى الصدر، والفصائل التابعة الى “المجلس الأعلى الإسلامي”، وجميع هذه الفصائل مشاركة في العملية السياسية وتسعى للمشاركة أيضاً في الانتخابات المقبلة.

اما القسم الثالث من الفصائل الشيعية هي تلك التي أسسها المرجع الشيعي علي السيستاني وأبرزها “فرقة العباس القتالية” و”لواء علي الأكبر”، وهي الفصائل الوحيدة التي أعلنت عدم مشاركتها في الانتخابات وترفض الدخول في السياسة، كما رفضت المشاركة في الحرب الدائرة في سورية.

احمد الصافي وهو احد ممثلي السيستاني والمتحدثين باسمه، قال خلال احد اللقاءات مع قادة الفرقة العسكرية حول التحديات العديدة التي تواجههم ان “الانتماء الى فرقة العباس القتالية لا بد له ثمن، وجزء من ذلك الثمن هو الصبر وعدم التنازل عن مبادئنا وهويتنا وقيمنا رغم وجود البدائل المفتوحة حتى الآن”، في اشارة غير مباشرة الى التحديات والخلافات مع باقي الفصائل واختلاف أهدافها.

ولكن السمة الابرز لفصائل السيستاني هو انضباطها العالي في المعارك واحترامها لقرارات الحكومة العراقية وعدم تورطها في أعمال ضد حقوق الإنسان، وهو ما جعلها الفصيل المحايد في معارك عدة اندلعت خلال السنوات الثلاثة الماضية.

ومثلا، ساهمت الفرقة في استعادة السيطرة على مدينة تكريت بعدما انسحب باقي الفصائل الشيعية من هناك بضغط من “التحالف الدولي” خشية وقوع عمليات انتقامية، وفي معارك بلدتي طوزخورماتو والبشير جنوب كركوك، كانت الفرقة مرحبا بها من قبل قوات البيشمركة الكردية المنتشرة هناك والتي رفضت التعاون مع باقي الفصائل الشيعية.

وبينما رفض التحالف الدولي ودول اقليمية مثل تركيا وكذلك سياسيون محليون من مشاركة الفصائل الشيعية في معركة الموصل في خريف العام 2016، سمح لفرقة العباس القتالية فقط للمشاركة في المعارك الى جانب الفرقة التاسعة للجيش العراقي في الجانب الأيمن من المدينة.

ويقول جابر المحمداوي وهو رجل دين مستقل يعمل في تدريس المذهب الشيعي في النجف لـ “نقاش” ان  “فرقة العباس القتالية تمثل الصورة الحقيقية التي كان يريدها السيستاني عندما اصدر فتوى الجهاد ضد الارهابيين، السيستاني يرفض مشاركة المقاتلين في السياسة، ويؤيد دمج المقاتلين في المؤسسات الأمنية في الجيش والشرطة، كما انه لم يتفاعل كثيرا مع فكرة بقاء الحشد الشعبي قوة أمنية مستقلة”.


Like