انكليزي | English

اسماعيل داود

مؤتمر مبادرة التضامن مع المجتمع المدني العراقي – بغداد ٣١ كانون الثاني ٢٠١٩

 

قبل ان اخوض في عرض مساهمة حول تطور المجتمع المدني لعشر سنوات، وهي مهمة ليست بالهينة، او بالاحرى اجدها فخ اوقعتني به الزميلة والصديقة،  تيري! فهي من اقترحت ان اتصدى انا لهذا الموضوع.

 قبل كل هذا لابد ان امهد هنا ببعض التوضيحات التي اراها ضرورية:

– اولها ان اننا في المبادرة حينما نتحدث عن المجتمع المدني، فاننا نعنيه به الاطار الواسع للعمل المدني وليس  فقط المنظمات غير الحكومية. في هذا الاطار نجدا اطر متعددة ، رسمية وغير رسمية، مثل  النقابات ، الفرق التطوعية غير المسجلة ، التجمعات والمنتديات غير المسجلة بالاضافة الى المنظمات غير الحكومية.

– ثانيها انا ما اقدمه لايتجاوز ملاحظات من متابع للمجتمع المدني، وليست بالضرورة تغطية كاملة لمسيرة قرابة عشر سنوات، ولا لكل الايجابيات او الاخفاقات التي رافقتها، هي فقط ما اعتقده وقفات مهمة، من الضروري استحضارها، تكونت وفق لتصوري وتجربتي.

– ثالثا ساحاول ان اغطي الجانب الذاتي، الداخلي وليس العوامل الخارجية التي احاطت بتطور المجتمع والمدني، مثل التحدي الامني و هبوط اسعار النفط

تجربة حرية التجمع وتشكيل اطر العمل المدني حديثة في العراق، والعشر سنوات الماضية شهدت مراحل وانتقالات مهمة، اولها مرحلة التكاثر السريع وسرعة الانتشار  منذ ٢٠٠٣ بلغت اوجها في عام ، ٢٠١٠وهو عام اقرار قانون المنظمات  ، ومعه الحق العام بالتجمع على شكل منظمات غير حكومية.

مع ماجلبه هذا القانون من ايجابية، مقارنة ما اريد له ان يشرع بالاساس، لكنه وبنفس الوقت وسم المجتمع المدني بنموذج واطار تجمع واحد، (قالب) المنظمة الجماهيرية ومنهج واحد هو الديمقراطية التمثيلية، والعلاقة الهرمية، اعضاء يكونون هيئة عامة وانتخابات لهيئة ادارية ورئيس.

وهكذا تركت باقي اطر العمل خارجا ، على سبيل المثال، حرية تشكيل النقابات، او مؤسسات النفع العام غير الجماهيرية او المراكز النخبوية والمبادرات الشبابية التطوعية او الحملات المختلفة.

بالاضافة الى ذلك، واجه عدد كبير من المنظمات الهرمية مشكلة الانشطار المستمر بسبب عدم امكانيتها على استيعاب المختلف، ووقعت هذه المنظمات في فخ المنافسة فيما بينها بالعمل في اي اختصاص وفي كل اختصاص. ارتبط اسم كثير من المنظمات في تلك المرحلة في ذهنية المواطن البسيط، بورش التدريب والفنادق خمسة نجوم والسفر، الصرف الباذخ ، مما خلق انطباع قاتم على قطاع المجتمع المدني ككل.

بدوره واجه التضامن مع العراق مشاكل جمة ، كان ابرزها صعوبة حصول المتضامنين الدوليين المستقلين، على الفيزا لدخول العراق، وعدم وجود وعي كافي باهمية التضامن الدولي كدافعة للعمل المدني ولاعادة بناء العراق. الدوليين الذين كانوا في الساحة انحسر وجودهم على  شركات النفط و المقاولات والقطاع خاص ربحي بشكل عام ومؤسسات الدعم المرتبطة باجندات القوى اللاعبة في الساحة العراقية.  مع وجود قليل لمنظمات دولية مستقلة اغلبها  تمركز في اقليم كوردستان.

هذا في الحقيقة احد اسباب عدم انعقاد مؤتمر المبادرة في بغداد منذ ١٠ سنوات، تستمر اجراءات الفيزا بكونها عائق الى اليوم امام حركة تضامن اوسع مع العراق وقضاياه.

مع بروز حركة الاحتجاج، وما عرف بوقتها بايام الغضب عام ٢٠١١، اكتسب المجتمع المدني دفعة قوية، برزت حملات شعبية اوسع نطاق من نموذج المنظمة و ورشة التدريب، اذكر هنا مثلا حملة الغاء رواتب البرلمانيين او حملات الدفاع عن الحريات المدنية ، بروز فرق تعمل على مهرجانات سنوية ، مثل مهرجان السلام ، والمنتدى الاجتماعي العراقي في عام ٢٠١٣. برز فيها بشكل خاص حضور الشباب والفتيات وعملهم المشترك. ايضا تشكلت حملات عملت على مواضيع ملحة ومهمة ولكنها كانت مهملة ، حملات خارج المالوف ، مثل انقاذ نهر دجلة او حملة لاقرار قانون العمل الجديد ، وضمان حرية تشكيل وعمل النقابات. مبادرات لرياضة ضد العنف ومارثونات السلام وغيرها.

نماذج عمل مغايرة بتصوري اضافت الكثير، وخرجت بنموذج يبشر بامل. وانتشرت الرغبة من جيد بين الشباب بالانخراط في العمل بهذه الاطر الجديدة ، وفي بناء عراق اخر ممكن.

لكن الاوضاع مالبثت ان تراجعت، مع انهيار الجيش وظهور داعش ، تعرض المجتمع العراقي برمته لهزة قوية

مع سقوط المدن تلو الاخرى وهجر الملايين ونزحوا من مدنهم وبيوتهم.

من بين هذا السواد الواسع برزت نماذج مفرحة للعمل المدني، لكن للاسف لم تحض باهتمام كاف، لعوائل تفتح ابوابها للاجئين، مدن تحتضن اضعاف عددها وتوفر لهم الملجاء والغذاء ، حملات اغاثة شعبية في الميدان وفي العالم الافتراضي والاعلام المجتمعي. منظمات استعادت عافيتها التنظيمية وبرزت في العمل الاغاثي داخل المخيمات وخارجها وفي مجتمعات النزوح.

  هكذا  برز من جديد ضوء امل ساطع بمستقبل مغاير. ومع اشتداد المواجهة مع داعش واصطفاف العراقيين في هذه المواجهة، توسعت حالة التضامن والتعايش ببعدها الداخلي وعادت  للواجهة  مجاميع  الشباب والفتيات الذين  توجهوا للعمل الاغاثي و المدني. وانتعش كذلك التضامن الدولي مع العراق باشكال متعددة.

ومع عودة حركة الاحتجاج الى الواجهة، عام ٢٠١٥ و٢٠١٦ ، ازادت مساحة العمل المدني بشكل ملفت والتقت مع تيارات شعبية مهمة وكان هناك تجربة غير مسبوقة في تنظيم احتجاج و حراك جماهيري منظم. حقق كل ذلك اثر كبير وعلى اعلى المستويات ، ربما ليس بمستوى الطموح ، لكنه تغيير مهم يجب ان ننتبه له،اعادة رسم الخارطة السياسية ، تغير في التعامل وادارة قضايا المياه ،اقرار قانون العمل ،التفات مهم  للبيئة ، اتساع الاهتمام بالرياضة، ووجود المراة في النشاط العام ، والحوار مع الاخر مواجهة التطرف العنيف وغيرها.

وانتقلت موجة العمل والتنظيم الذاتي ، في الاحتجاج وفي الحملات ،  الى المدن المحررة حديثا من داعش مع رغبة المجتمعات هناك باعادة البناء ونفض غبار الحروب. وعادت تنتشر من جديد في جنوب العراق وفي اقليم كوردستان مهيئة الساحة لمرحلة جديدة. ، ذلك ساهم وبشكل واعد بعودة  روابط اجتماعية وانشطة مشتركة بين مدن الجنوب والغرب والوسط ومدن الاقليم من جديد.

 بودي ان اختم  ببعض الاستنتاجات من النقاط التي استعرضتها في مداخلتي :

– اشر تحول اطر العمل من شكل المنظمة الجماهرية او القاعدية الاوحد ، الى نموذج الحملات والفرق والتجمعات، والتنظيمات النقابية الجديدة،  بادرة نضوج واعادة ولادة للمجتمع المدني العراقي،

– افادت حركة الاحتجاج واستفادت من نماذج واطر العمل المدني المفتوحة ، تجارب المهرجانات والحملات والمنتديات واعتماد التنظيم الذاتي لمثل هذه الانشطة زاد من قدرات الشباب وبشكل ملحوظ وخلال فترة قياسية

– التخصص في محاور موضوعاتية ، مسارات ، و تحول اطار ادارة العمل المدني الى الديمقراطية التشاركية، والقرار الجماعي،  بادرة جديدة تستحق الاهتمام والرعاية ويمكن ان تشكل سبق عراقي على مستوى منطقة الشرق الاوسط والمشرق العربي

– فتحت السنوات الاخيرة الباب للعمل على مواضيع اهملت لفترة طويلة بالرغم من كونها حرجة  ، مثل المياه والبيئة ، الرياضة والفنون كوسائل لاشراك الشباب، الموروث  الثقافي ، وغيرها

– خلق التضامن وفق الموضع افاد كثير في انضاج تضامن طويل المدى وثيق العرى ويمكن له ان يتوسع بشكل كبير

– تبني منهج العمل المسؤول ومشاركة الموارد ، جمع التبرعات ، مقابل نموذج الهدر والبذخ الذي كان السائد، اعطى دفعة قوية للمجتمع المدني لتصحيح ماعلق باذهان الناس حول تجربته واهمية دوره

– المراجعة مهمة وهناك حاجة لاجراء مراجعات بشكل دوري ، نقد انفسنا اولا هوة الطريق الصحيح لتطوير تجربة مجتمع مدني ناجحة.