انجليزي | English

Al-Monitor

بقلم

تعتزم الحكومة العراقيّة، بالتعاون مع منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة الـ”يونسكو”، إنشاء متحف لجرائم “داعش” في سنجار في غرب محافظة نينوى.

وكانت الفكرة قد جاءت نتيجة زيارة بعثة الأمم المتّحدة لمساعدة العراق “يونامي” ومنظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة الـ”يونسكو” إلى قرية كوجو في قضاء سنجار في 29 تشرين الأوّل/أكتوبر 2018، وأثناء الزيارة، تمّ تقديم طلب من قبل أهالي القرية للنظر في إمكان إنشاء نصب تذكاريّ في القرية التي شهدت فظائع “داعش” ضدّ الإيزيديّين، وأقرّ الطلب من قبل نائب الممثّل الخاصّ للأمين العامّ للأمم المتّحدة أليس وولبول.

وكشف مدير عامّ دائرة المنظّمات غير الحكوميّة التابعة إلى الأمانة العامّة لمجلس الوزراء العراقيّ محمّد طاهر التميمي أنّ “داعش” خلّف 67 مقبرة جماعيّة اكتشفت في سنجار حتّى الآن، وأعرب عن أمله في إنشاء المتحف الأوّل للإيزديّين في التاريخ المعاصر. ولمتابعة هذا السعي لإنشاء المتحف، نظّمت مديريّة المنظّمات غير الحكوميّة، بالتعاون مع مكتب الـ”يونسكو” في العراق، اجتماعاً للخبراء في شأن المبادرة في بغداد في 18 شباط/فبراير، كان هدفه، حسب التميمي، “التفكير مع الخبراء وأصحاب المصلحة الدوليّين والوطنيّين والمحلّيّين في مقاربة منهجيّة لتحديد مفهوم مناسب للنصب التذكاريّ للإيزيديّين، وتقديم عرض لمجموعة من المواقع التذكاريّة والمتاحف لإحياء ذكرى من مختلف البلدان لغرض تحفيز النقاش في شأن التصميم المناسب والمحتمل لمتحف الإيزيديّين”.

وفي هذا السياق، كشف ممثّل وزارة التربية ماجد محمّد أمين في اجتماع الخبراء عن متابعة للموضوع من قبل وزارة التربيّة أيضاً، إذ قال: “زرنا موقع مدرسة كوجو واطّلعنا على شهادات الناجين، وشاهدنا آثار الفظاعات التي ارتكبها التنظيم المتشدّد، وهناك اتّفاق على أنّ المتحف سيكون في مدرسة كوجو التي بدأت فيها الجريمة، لذا ينبغي الاحتفاظ بمبنى المدرسة في صورته الحاليّة قدر الإمكان، والحفاظ على آثار الجريمة على الجدران وغيرها من المواقع، مع إضافة مبنى متحف من حولها”. ولمزيد من التوضيح، أضاف: “إنّ المدرسة ستكون بمثابة مركز لمتحف الإبادة، مع بناء معالم أخرى مكمّلة مثل تشييد مزار وفق المواصفات الإيزيديّة المعماريّة، لكنّ تصميمه لم يكتمل بعد”.

وفي سياق متّصل، نبّه المتحدّث باسم قرية كوجو الشيخ نايف جاسم قاسم في حديثه إلى “المونيتور” من أنّ المقابر الجماعيّة التي تمّ الكشف عنها في كوجو وأنحاء أخرى من سنجار يجب ألّا تترك بعد أخذ رفات الضحايا منها، وأوضح: “أنا كزعيم لهذه القرية وشيخ لعشيرتها، أخذت على عاتقي فكرة بناء مرتسمات لهذه المقابر، وأن يتمّ تشييد مزار في كلّ مقبرة، وبذلك فإنّ الزوّار لا يطّلعون على مدرسة كوجو التي من المخطّط أن تصبح مركزاً للمتحف فحسب، بل يزورون المقابر الجماعيّة أيضاً لكي تتكوّن لديهم صورة كاملة عن مسرح الجريمة”.

وقد شارك في جلسة الخبراء رئيس فريق التحقيق للمساءلة عن جرائم “داعش” كريم أسعد خان، الذي بيّن أنّ “إحياء الذكرى ليس مجرّد تصاميم هندسيّة أو معماريّة، إنّما يمثّل مبادرة تسهم في الحصول على الحقوق وتوضيح الفظاعات التي واجهت الضحايا وإنصافهم وتوثيق معاناتهم، والنصب التذكاريّة المشيّدة حول العالم المتعلّقة بإبادة اليهود الـ”هولوكوست”، وفي يوغسلافيا ورواندا وأماكن أخرى توضح مدى التزام البشر في القرن الحادي والعشرين بأعمال إنسانيّة تنصف الضحايا من الأطفال والنساء”. وأضاف في حديثه إلى “المونيتور” أنّ “العدالة جزء لا يتجزّأ من الديمقراطيّة”، وقال: “وأنا فخور بالعمل مع الأمين العامّ لمجلس الوزراء وبالدعم الواسع الذي نتلقّاه من أعضاء الحكومة العراقيّة ومن المرجعيّات الدينيّة العليا كالسيّد علي السيستاني وبابا شيخ الزعيم الدينيّ للإيزيديّين والوقفين السنّيّ والشيعيّ في شأن أهمّيّة التوثيق التاريخيّ لهذه الجرائم”. والجدير ذكره أنّ الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريس قد عيّن السيّد خان رئيساً لفريق التحقيق الدوليّ المشكّل بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2379 (2017)، من أجل دعم الجهود الوطنيّة لمحاسبة عناصر تنظيم “داعش” عن طريق جمع الأدلّة وحفظها وخزنها في العراق في شأن الأعمال التي قد ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانيّة والإبادة الجماعيّة التي ارتكبها تنظيم “داعش” الإرهابيّ في العراق.

من جهة ثانية، قدّمت المهندسة المعماريّة الإيزيديّة ديرسم نعمو خيري تصميماً للنصب كان يمثّل رسالة تخرّجها لنيل درجة الماجستير من ألمانيا التي تقيم فيها. وبرأيها، إنّ المقاربة المناسبة للنصب يجب أن تتضمّن تمثيله لما حصل للإيزيديّين من مجازر وإبادات طوال التاريخ والتي تصل إلى 74 إبادة ومجزرة حسب الإحصاء الإيزيديّ، فضلاً عن تمثيله الوجه الآخر الأكثر إيجابيّة وإشراقاً من التقاليد والعادات والثقافة الإيزيديّة التي تعود جذورها إلى حضارات العراق القديمة، فالنصب أو المعلم يجب أن يكون -من وجهة نظرها- حلقة وصل بين المجتمع الإيزيديّ والمجتمع الدوليّ، وعلى نحو يعكس صورة إيجابيّة عن المجتمع الإيزيديّ وثقافته، وليس كونه ضحيّة الإبادة فحسب.

وفيما قد يواجه النصب تحدّيات تتعلّق برغبة مماثلة لإنشاء متحف لجرائم “داعش” ضدّ أقلّيّات أخرى مثل المسيحيّين والشبك في سهل نينوى والموصل، والتركمان في تلعفر، والكاكائيّون في كركوك، فضلاً عن مذبحة سبايكر التي راح ضحيّتها 1700 شابّاً من المتطوّعين الشيعة، فإنّ التفكير في مقاربة مناسبة للمتحف قد يجعل منه عامل وحدة بدلاً من أن يكون مناسبة للتنافس والانقسام في شأن من كان الضحيّة الأبرز لـ”داعش”.

وفي هذا السياق، أيّد الممثّل الرفيع المستوى للأمم المتّحدة خان فكرة قد تحقّق توافقاً بين سرديّات متنافسة تطرحها مختلف الأقلّيّات، إذ اقترح إنشاء متحف وطنيّ يخلّد بطولات الناجين من الإيزيديّين ومن ساعدهم من المجتمعات المحلّيّة الأخرى من السنّة والشيعة وبقيّة المكوّنات، وإذا تمّ توظيف ذلك على نحو إيجابيّ، فقد تظهر المبادرة وحدة العراق وتكاتف مكوّناته في أوقات المحنة، وتبيّن أنّ أسباب الانقسام والاختلاف تختفي في مواجهة التحدّيات الوجوديّة المصيريّة.